سلّطت مجلة “إيكونوميست” الضوء على التداعيات العميقة للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، مؤكدة أن هذه المواجهة لم تُنهِ التوتر، بل أعادت تشكيله بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة. فبدلًا من تحقيق استقرار أو حسم واضح، خرجت المنطقة بواقع أكثر هشاشة، حيث تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى استراحة مؤقتة في صراع مفتوح.

 

هدنة هشة.. ومسار تفاوضي غامض

 

جاء وقف إطلاق النار بشكل مفاجئ ومربك، بعد تصعيد كلامي حاد من واشنطن، وصل إلى حد التهديد بتدمير شامل، قبل أن يتحول المشهد سريعًا إلى إعلان تهدئة مؤقتة مقابل السماح بعودة الملاحة في مضيق هرمز. هذا التحول السريع عكس حالة الارتباك التي طبعت إدارة الحرب منذ بدايتها.

 

لكن الهدنة لم تصمد عمليًا بالشكل المتوقع؛ إذ تواصلت الهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ في عدة مناطق، وسط تبادل الاتهامات بين الأطراف بشأن خرقها. كما استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، ما زاد من تعقيد المشهد، وفتح جبهات موازية لم يشملها الاتفاق بوضوح.

 

في الوقت ذاته، بدت المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب نهائيًا غامضة ومليئة بالتناقضات. فكل طرف يروّج لرواية مختلفة، ويعلن تحقيق “نصر تاريخي”، بينما الواقع يشير إلى غياب حسم واضح. هذا التباين يجعل مستقبل الهدنة غير مضمون، ويضع المنطقة أمام احتمالين: إما تسوية مؤقتة تُدار بحذر، أو عودة سريعة إلى التصعيد.

 

خسائر ممتدة.. وأهداف لم تتحقق

 

تكشف نتائج الحرب عن حجم كبير من الخسائر دون تحقيق الأهداف المعلنة. فقد تعرضت إيران لضربات طالت منشآت عسكرية وبنية تحتية مدنية وتجارية، لكنها احتفظت بقدراتها الأساسية، بما في ذلك مخزون من اليورانيوم المخصب وقدرات صاروخية ومسيّرة فعالة.

 

في المقابل، لم تكن إسرائيل بمنأى عن التحديات؛ إذ تراجعت شعبيتها على المستوى الدولي، وبدأت تساؤلات داخلية حول جدوى الحرب، خاصة مع استمرار التهديدات وعدم تحقيق حسم واضح. كما أن التقديرات الأولية بشأن تدمير القدرات الإيرانية بدت مبالغًا فيها، ما يعكس فجوة بين التوقعات والواقع.

 

أما الولايات المتحدة، فقد تكبدت بدورها كلفة كبيرة، سواء من حيث استنزاف الموارد العسكرية أو تراجع صورتها كضامن للاستقرار. كما تأثر الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ نتيجة اضطراب أسواق الطاقة والملاحة، في حين تكبدت دول الخليج خسائر في الإيرادات وتعرضت منشآتها الحيوية لمخاطر مباشرة.

 

ورغم كل ذلك، برزت إيران كلاعب لا يزال قادرًا على التأثير، بل وكشفت عن ورقة ضغط استراتيجية تمثلت في قدرتها على تهديد إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي بأكمله تحت رحمة أي تصعيد جديد.

 

تحولات سياسية داخلية.. وتوازنات جديدة

 

على الصعيد السياسي، أظهرت الحرب تحولات لافتة في موازين العلاقات. فقد بدت إسرائيل، رغم تحالفها الوثيق مع واشنطن، أقل حضورًا في ترتيبات وقف إطلاق النار، ما يعكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الطرفين، ويجعل أمنها المستقبلي أكثر ارتباطًا بقرارات الولايات المتحدة.

 

داخليًا، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي تحديات متزايدة، إذ يسعى لتقديم الحرب كإنجاز سياسي، في وقت تتصاعد فيه الشكوك الشعبية حول نتائجها. كما أن اقتراب الانتخابات يزيد من حساسية المشهد، ويجعل أي إخفاق محتمل ذا كلفة سياسية مرتفعة.

 

في المقابل، تحاول القيادة الإيرانية استثمار نتائج الحرب لتعزيز تماسكها الداخلي، حيث أظهرت قدرة على احتواء الضغوط، والحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، رغم الأضرار الكبيرة. كما ساهمت الحرب في تحويل بوصلة الغضب الشعبي من الداخل إلى الخارج، ما منح النظام مساحة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه.

 

ومع ذلك، لا تزال التوترات الداخلية قائمة، سواء بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة أو الخلافات بين التيارات السياسية، وهو ما قد يعيد إشعال الاحتجاجات في أي وقت، خاصة إذا لم تتحسن الظروف المعيشية.

 

مضيق هرمز.. عقدة الصراع ومفتاح المستقبل

 

يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في هذا المشهد، كونه شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، وورقة ضغط استراتيجية بيد إيران. فقد أظهرت الحرب أن طهران قادرة على تهديد الملاحة، سواء بالإغلاق أو بفرض قيود ورسوم، وهو ما يثير قلقًا عميقًا لدى دول الخليج والعالم.

 

هذا الواقع دفع دول المنطقة إلى التفكير في بدائل، مثل خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، لكنها تظل حلولًا جزئية لا يمكنها تعويض أهميته بالكامل. كما كشفت الحرب عن نقطة ضعف أخرى، تتمثل في تراجع الثقة بالحماية الأمريكية، ما دفع بعض الدول إلى تنويع تحالفاتها مع قوى إقليمية ودولية.

 

ورغم هذه المحاولات، يبقى غياب قوة ضامنة موثوقة عاملًا رئيسيًا في استمرار القلق. فالقوى البديلة، رغم أهميتها، لا تمتلك القدرة الكاملة على ملء الفراغ، ما يجعل المنطقة عرضة لتوازنات هشة وتحالفات متغيرة.

 

في المحصلة، لم تنهِ الحرب الصراع، بل أعادت رسم ملامحه بشكل أكثر تعقيدًا. فلا يوجد منتصر واضح، ولا ضمانات لاستمرار الهدنة، بينما تتزايد التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية. وبين هدنة هشة ومفاوضات غير محسومة، يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: عدم اليقين، واحتمالات مفتوحة على كل السيناريوهات.